بَاب مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
تمهيد
شهر رمضان وهو أجل الأشهر العربية وله فضل كبير وقد أنزل فيه القرآن وفيه ليلة بألف شهر وهو شهر عتق الرقاب من جهنم
1326 - حَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيمَانًا
وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
الشرح
قَوْلُهُ (مَنْ صَامَ
رَمَضَانَ) بِنَصْبِهِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ فِيهِ وَكَذَا نَصْبُ الضَّمِيرِ
فِي قَوْلِهِ وَقَامَهُ وَقِيلَ رَمَضَانُ فَسَّرَهُ كَثِيرٌ بِالتَّرَاوِيحِ
(إِيمَانًا) مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ أَيْ لِأَجْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ أَوِ الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ فِي فَضْلِ رَمَضَانَ وَالْأَمْرِ
بِصِيَامِهِ (وَاحْتِسَابًا) أَيْ طَلَبًا لِلْأَجْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) عُمُومُهُ يَشْمَلُ الصَّغَائِرَ
وَالْكَبَائِرَ وَخَصَّهُ الْعُلَمَاءُ بِالصَّغَائِرِ لِمَا لَاحَ لَهُمْ مِنَ
الْأَدِلَّةِ اهـ.
(1/397)
1327 - حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ
بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي
ذَرٍّ قَالَ «صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنْهُ حَتَّى بَقِيَ سَبْعُ لَيَالٍ
فَقَامَ بِنَا لَيْلَةَ السَّابِعَةِ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ
ثُمَّ كَانَتْ اللَّيْلَةُ السَّادِسَةُ الَّتِي تَلِيهَا فَلَمْ يَقُمْهَا حَتَّى
كَانَتْ الْخَامِسَةُ الَّتِي تَلِيهَا ثُمَّ قَامَ بِنَا حَتَّى مَضَى نَحْوٌ
مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ
لَيْلَتِنَا هَذِهِ فَقَالَ إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ
فَإِنَّهُ يَعْدِلُ قِيَامَ لَيْلَةٍ ثُمَّ كَانَتْ الرَّابِعَةُ الَّتِي تَلِيهَا
فَلَمْ يَقُمْهَا حَتَّى كَانَتْ الثَّالِثَةُ الَّتِي تَلِيهَا قَالَ فَجَمَعَ
نِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ قَالَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا
أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ قِيلَ وَمَا الْفَلَاحُ قَالَ السُّحُورُ قَالَ ثُمَّ
لَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنْ بَقِيَّةِ الشَّهْرِ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ (فَقَامَ بِنَا لَيْلَةَ السَّابِعَةِ) هِيَ الْأُولَى مِنَ السَّبْعِ
الْبَاقِيَةِ وَدَأَبَ الْعَرَبُ أَنَّهُمْ يَحْسِبُونَ الشَّهْرَ مِنَ الْآخَرِ
وَهَذَا الْقِيَامُ لَمْ يَعْلَمْهُمْ كَيْفَ كَانَ وَفَسَّرَهُ كَثِيرٌ مِنَ
الْعُلَمَاءِ بِالتَّرَاوِيحِ (ثُمَّ قَامَ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ فَمَا
قَامَ فِي اللَّيْلَةِ السَّادِسَةِ ثُمَّ قَامَ فِي الْخَامِسَةِ (مِنْ شَطْرِ
اللَّيْلِ) أَيْ نِصْفِهِ (لَوْ نَفَّلْتَنَا) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ
وَتَخْفِيفِهَا أَيْ لَوْ أَعْطَيْتَنَا قِيَامَ بَقِيَّةِ اللَّيْلِ وَزِدْتَنَا
إِيَّاهُ كَانَ أَحْسَنُ وَأَوْلَى وَيُحْتَمَلُ
(1/397)
أَنَّ كَلِمَةَ لَوْ
لِلتَّمَنِّي فَلَا جَوَابَ لَهَا (فَإِنَّهُ يَعْدِلُ قِيَامَ لَيْلَةٍ) أَيْ
سَاوَاهُ فِي الْفَضْلِ وَالثَّوَابِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ
احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ مَعَ الْإِمَامِ أَفْضَلُ
وَاحْتَجَّ مَنْ خَالَفَهُ بِحَدِيثِ «خَيْرُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ
إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَقَدْ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ حَيْثُ قَامَ بِهِمْ لَيْلَةَ
رَمَضَانَ فِي مَسْجِدِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ
فَأَعْلَمَهُمْ بِهِ أَنَّ صَلَاتَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ وُحْدَانًا أَفْضَلُ
مِنْ صَلَاتِهِمْ مَعَهُ فِي مَسْجِدِهِ فَكَيْفَ مَعَ إِمَامٍ آخَرَ فِي مَسْجِدٍ
آخَرَ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ
بِالْقِيَامِ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضُ اللَّيْلِ قِيَامَ كُلِّهِ وَأَنْ يَكُونَ
قِيَامُهُ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ
الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ هُوَ اخْتَارَ أَنَّ الِانْفِرَادَ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ
قَوْلُهُ (أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ) قَالَ الْخَطَّابُ أَصْلُ الْفَلَاحِ
الْبَقَاءُ سُمِّيَ السُّحُورُ فَلَاحًا لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِبَقَاءِ الصَّوْمِ
وَمُعِينًا عَلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ الْفَلَاحُ
الْفَوْزُ بِالْبُغْيَةِ سُمِّيَ بِهِ السُّحُورُ لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى
إِتْمَامِ الصَّوْمِ وَهُوَ الْفَوْزُ بِمَا قَصَدَ وَنَوَاهُ وَالْمُوجِبُ
لِلْفَلَاحِ فِي الْآخِرَةِ اهـ.
(1/398)
1328 - حَدَّثَنَا
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ
نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ عَنْ النَّضْرِ بْنِ شَيْبَانَ ح وَحَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ
الْجَهْضَمِيُّ وَالْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ
النَّضْرِ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ لَقِيتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
فَقُلْتُ حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِيكَ يَذْكُرُهُ فِي شَهْرِ
رَمَضَانَ قَالَ نَعَمْ حَدَّثَنِي أَبِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَقَالَ شَهْرٌ كَتَبَ اللَّهُ
عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ
إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»
الشرح
قَوْلُهُ (كَتَبَ اللَّهُ
عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ) الضَّمِيرُ فِي
الْمَوْضِعَيْنِ لِرَمَضَانَ وَكَلِمَةُ عَلَى فِي الْأَوَّلِ وَاللَّامِ فِي
الثَّانِي لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِتَخْفِيفِ التَّكْلِيفِ الْإِيجَابِيِّ فِي
أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَفِيهِ أَنَّ الْفَرْضَ يُنْسَبُ إِلَى اللَّهِ
وَالسُّنَّةُ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (كَيَوْمِ
وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) يَجُوزُ فَتْحُ يَوْمٍ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْإِضَافَةِ إِلَى
الْجُمْلَةِ وَجَرُّهُ وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ الْوَقْتُ إِذْ وِلَادَتُهُ قَدْ
تَكُونُ لَيْلًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى لِخُرُوجِهِ مِنَ الذُّنُوبِ
يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ مَا سَبَقَهُ ذَنْبٌ
حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَالْمَعْنَى خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ
وَيَصِيرُ طَاهِرًا مِنْهَا كَطَهَارَتِهِ مِنْهَا يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ
وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْعُمُومُ لِلصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ
وَالتَّخْصِيصُ يُبْعِدُهُ
التَّشْبِيهُ. وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.

إرسال تعليق